ويضع الدكتور أحمد دلّال، رئيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة، هذه المبادرة في سياق مؤسسي ووطني أكثر شمولاً، مشيرًا إلى أن الجامعة كان لها تأثيراً فاعلاً في الحياة المدنية والفكرية في مصر على مدار أكثر من قرن، حيث استضافت فعاليات بارزة ومحاضرات مؤثرة ومبادرات أسهمت في إثراء المشهد الفكري والثقافي في البلاد. وقال دلّال: "تشهد القاهرة التاريخية حراكاً ثقافيًا متسارعًا، ونحن نؤمن بأهمية هذا التطور ونسعى من موقعنا في قلب المدينة إلى إعادة إحياء حرم الجامعة بالتحرير بما يعزز قدرته على خدمة الطموحات والرؤى الوطنية بصورة أكثر فعالية."
وفي إطار هذه المبادرة الجديدة، توظف الدكتورة رباب المهدي، الأستاذ المشارك للعلوم السياسية والمدير المؤسس لمركز حلول السياسات البديلة وخريجة الجامعة عام 1996، حرم ميدان التحرير لتقديم تجربة بحثية تطبيقية في مجال السياسات العامة ضمن مقررها الدراسي "مقدمة في التنمية". ويتلقى الطلاب، في هذا الإطار، تدريبًا عمليًا لمدة خمسة أسابيع داخل المركز، يشاركون خلاله في إعداد بحوث سياسات بالتعاون مع باحثين متخصصين، بما يتيح لهم التفاعل المباشر مع قضايا حيوية في القطاع العام مثل مبادلة الديون والمتحف المصري الكبير.
وعلّقت المهدي على الأهمية التاريخية لحرم الجامعة بميدان التحرير قائلة: "لم تكن الجامعة الأمريكية بالقاهرة يوماً على هامش التاريخ، بل كانت جزءاً من لحظاته وتحولاته." وأضافت: "ثمة طاقة مختلفة في هذا المكان مقارنة بقاعات المحاضرات التقليدية إذ يطبّق الطلاب المفاهيم الأكاديمية على تحديات واقعية، ويعملون جنبًا إلى جنب مع باحثين وجهات حكومية معنية بالشأن العام."
ويصف الطلاب المشاركون في التدريب العملي بيئة العمل بأنها تعزز لديهم الإحساس بالمسؤولية المهنية لعملهم، حيث يشير عمر فهيم، طالب العلوم السياسية، إن العمل داخل مؤسسة تقدم المشورة للمسؤولين الحكوميين يضفي أهمية خاصة على جودة العمل الذي يؤديه مضيفاً: "يتواصل مركز حلول السياسات البديلة مباشرةً مع الوزراء، وهذا يجعلني أدرك أن ما نعمل عليه يصل إلى المسؤولين وهو ما يحفزني على بذل قصارى جهدي". وأضافت زميلته ليلى ممدوح: "تمنحنا بيئة العمل هنا، بإطلالتها على ميدان التحرير، شعورًا مختلفًا بالتركيز والمسؤولية تجاه جودة ما نقدمه. الأمر لا يقتصر على كونه مقررًا دراسيًا، بل تجربة تحمل قدرًا حقيقيًا من المسؤولية."
كما تُقدم الدكتورة نينا إليس، الأستاذ المساعد للغة الإنجليزية والأدب المقارن، مقرر الكتابة الإبداعية داخل القاعة الشرقية بحرم الجامعة بالتحرير حيث يستلهم الطلاب كتاباتهم من الطابع المعماري والتاريخي للقصر. وتدعو إليس طلابها إلى التفاعل مع المكان من خلال الملاحظة الدقيقة، مُتخذةً من المبنى ذاته أداة تعليمية حية، إذ يكتب الطلاب من شرفات تُطل على حركة وسط القاهرة، ومن داخل القاعة التي تحتفظ بأجواء تاريخية تمتد لأكثر من 150 عاماً.
وتقول إليس: "كانت الدهشة أفضل ما يصف شعوري خلال زيارتي الأولى لهذه القاعة." وتضيف: "لا تزال القاعة تؤدي دورًا حيويًا في خدمة القاهرة والمجتمع، وأرى أنه من المهم للغاية أن يعود الطلاب إلى هذا الحرم الجامعي، لأنه يشكل جزءًا أصيلًا من تاريخ هويتهم كطلاب في الجامعة الأمريكية بالقاهرة."
كما تستخدم جيليان كامبانا، أستاذة المسرح والعميدة المشاركة للدراسات الجامعية والبحث العلمي بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، حرم التحرير بانتظام في تدريس مقرراتها، مشيرة إلى الأثر الذي تتركه البيئة التاريخية للمكان في تجربة الطلاب التعليمية. وتقول: "إنه من المؤثر للغاية أن يتجول الطلاب الشباب بين أرجاء هذه القاعات والمساحات العريقة مثل قاعة إيوارت التذكارية أو القاعة الشرقية. فهذا يمنحهم "شعورًا بأن الأجيال التي سبقتهم لا تزال حاضرة وتدعم رحلتهم التعليمية."
يُعدّ حرم الجامعة الأمريكية بالقاهرة بميدان التحرير أحد أكثر المواقع الجامعية ثراءً من الناحية التاريخية في العالم العربي. فقد أصبح قصر خيري باشا، الذي شُيّد في ستينيات القرن التاسع عشر، المقرّ الأول للجامعة عام 1920مستقبلاً أول دفعة ضمت 142 طالباً. وعلى مدى العقود التالية، توسّع الحرم الجامعي ليشمل قاعة إيوارت التذكارية والقاعة الشرقية، اللتين صممتا على الطراز المملوكي الحديث الذي شكّل جزءاً من الهوية المعمارية للقاهرة لأكثر من قرن.
كما استقبل الحرم الجامعي أول طالبة عام 1928 قبل عقود من إتاحة هذا الأمر في العديد من الجامعات الغربية، وظلّ على مرّ السنوات مركزاً للحياة المدنية والفكرية، ومدافعاً عن قيم الحرية الأكاديمية منذ احتجاجات ثلاثينيات القرن الماضي،. وقد استضافت قاعاته شخصيات بارزة من بينها أم كلثوم، وطه حسين، وهيلين كيلر، ومارتن لوثر كينغ جونيور، وإدوارد سعيد.
من خلال هذه المبادرة التي تتيح لطلاب البكالوريوس من مختلف التخصصات دراسة مقرراتهم بالحرم الجامعي بميدان التحرير، تعمل الجامعة الأمريكية بالقاهرة على ترسيخ هذه المبادرة كنموذج لكيفية دمج الجامعات البحثية البيئات الحضرية والأماكن التاريخية في نسيج العملية التعليمية والتعلم الأكاديمي.